محمد الحفناوي
7
تعريف الخلف برجال السلف
فضاء المعقولات ، لا ينتهي فيها الفكر إلى حد ، ولا يقنع الذهن بها عما وراءها ، فتسابقوا بين طرفي الضروريات والنظريات ، ينقّبون عن نسب الممكنات وخواصها ، ويبحثون عن أسرارها ، حتى وقفوا على كنز من كنوز الموضوعات والمحمولات ، اكسيره المسابير الرياضية ، وابريزه النواميس الطبيعية ، فهزوا الأطواد ، وطووا الأبعاد ، وطافوا بأجرام السماء ، وأبصروا أمعاء الخفاء ، وفتقوا رتق الأثير ، وحرّكوا بسيله الجوامد ، وأناروا بتموجه المظلمات ، وتخاطبوا بواسطته على بعد القطبين ، فضلا عن اخضاع الصياصي ، والأخذ بجميع النواصي . من الحسنات الخالدة المتخلد بها ذكر سمو الوالي العام الجناب جونار ، تشييد « المدرسة الثعالبية » التي لوحظ في تخطيطها قبل الشروع فيها أساليب البناء الأندلسي ومحاسنه ، فتمت على غاية الإحكام والإتقان ، مزدانة بنكت الملاحة ومواقع الاستحسان في بقعة بجوار الولي العارف القطب الشهير الإمام سيدي عبد الرحمن الثعالبي ، وسميت « بالثعالبية » نسبة إليه ، وهي مشرفة على البحر لتتروح بنسيمه ، ومواجهة لجبال البر على مسيرة أيام ليسرح التلامذة أنظارهم في الأفق وقت الاستراحة ، فتنشرح صدورهم ، ولما تمّ بناؤها تسامع بها أهل العلم والمعرفة في القطر ، وتخابروا عنها ، فمنهم من زارها وما انصرف حتى هنأ أبناء بلاده الجزائرية وأعقابهم بوجودها ، ومنهم من عزم على زيارتها عند أول مناسبة . هذه المدرسة أعجبت أهل الذوق السليم ، بمنظر ظاهرها الجميل ، ورونق داخلها ، فأول ما يراه الزائر عن يمينه قبل دخولها أبيات بالعربية لجامع هذا الكتاب الفقير الحفناوي ، وعن يساره بالفرنسوية تاريخ البناء في عهد سمو الوالي الحالي .